Blackview WW
تم النشر فى : الجمعة، 17 نوفمبر 2017
الناشر : مؤسسة الوطن العربى الإعلامية - لندن ، المملكة المتحدة . WA MEDIA FOUNDATION - LONDON, UK

أسئلة الإبداع ، مشروع فريد في التأصيل النقدي - بقلم الأستاذ : عبد القادر بنعثمان

أسئلة الإبداع ، مشروع فريد في التأصيل النقدي - بقلم الأستاذ : عبد القادر بنعثمان ..



الوطن العربى اليومية - القاهرة ..

سأبدأ بمدخـــــل ضروري أحدد به الايقاع الدلالي و بعض الآفاق الضمنية لهذه المداخلة ،وذلك بانتقاء خمس مقولات للفيسلوف الالماني فريدريك نيتشه يقول:
1-" كلما ارتفعنا أكثر كلما بدونا أصغر حجماً لأولئك الذين لا يجيدون الطيران..!!"
2-" هناك شخص واحد لم يذق طعم الفضل في حياته: إنه الرجل الذي يعيش بلا هدف"
3-"الحقيقة ليست سوى جيش متحرك من المجازات اللغوية."
4-"كل الأشياء خاضعة للتأويل وأيًا كان التأويل فهو عمل القوة لا الحقيقة"
5-" الذى لا يستطيع أن يأمر عليه أن يطيع"
المقولة الاولى نستعين بها على ضبط الآفاق الضمنية لطبيعة : المجال المتسع لبحثنا ونظرنا وسموّغاياتنا وعلوّ ادراكنا لكثير من الحقائق في علاقة بالادراك السفلي للعقل العاشب أي العقل العامي .
المقولة الثانية نستعين بها على ضبط الآفاق الضمنية لطبيعة : علاقة متعة البحث باكتمال بناء مشروع المداخلة والهدف منه.
المقولة الثالثة نستعين بها على ضبط الآفاق الضمنية لطبيعة :التلقي لهذه المداخلة كي لاتصدم بعض مستجداتها السامع والمتلقي لها عامة .
المقولة الرابعة نستعين بها على ضبط الآفاق الضمنية لطبيعة :التأويل كجزء ثان من عملية التلقي والفهم و الذي نتمنى أن نجد فيه العذر و التفّهم لدى المتلقى في بعض القضايا الخلافية التي قد يشعر فيها ببعض التعميم والتعسف. 
المقولة الخامسة نستعين بها على ضبط الآفاق الضمنية :لنتائج هذه المداخلة في علاقة القيادة الابداعية كقيادة منتجة ومؤثرة بالفاعل المقود المغاير لها والمبني وجوديا على الاكتفاء بالاشباع لحاجاته الجسدية وقتل حاجاته الفكرية ..
ننتقل إلى إضاءات اربعة :
إضاءة أولى :
في الحقيقة كنت انوي الاعتذار عن تقديم هذه المداخلة نظرا لسرعة برمجتها ،ولكن من منطلق الايجابية ،والاحساس بالمسؤولية التاريخية تجاه الفعل الابداعي والنقدي ، وشعوري الدائم بحاجة المشهد الثقافي التونسي المنفلت والجامح إلى بناء بوصلة نقدية إبداعية تقوده إلى حيث يتدارك عجزه وشلله وارتباكه وهامشيته ويستأنف وجوده المؤثر الخلاق تراجعت وعدلت موقفي وجئنا لكم كي نطرح وجهة نظرنا ونضيء ماتمّت محاصرته والتعتيم عليه بقصد وتعمّد من طرف سلط ثقافية وإعلامية ساذجة ومكابرة على مدى أكثر من خمسة وعشرين سنة.
إضاءة ثانية :
تمثل مقاربة مثل هذه المواضيع بهدف التأصيل النقدي استفزازا صريحا لذوق ثقافي ينام ويصحو على طاحونة الشيء المعتاد وخطاب التملق لمنظومة شراء الذمة الادبية والرداءة الجمالية والافلاس القيمي. 
إضاءة ثالثة : 
تنبني خطة هذه المداخلة عندنا على اعتبار كلية منوبة إضافة إلى كونها قلعة علمية أكادمية مشهود لها بمتانة تكوينها العلمي وتمكّن اساتذتها واقتدارهم فهي نواة إبداعية استراتيجية لا يمكن لأي قراءة موضوعية وعلمية تشتغل بالبحث في قضايا النقد والإبداع وحقبة التاريخية أن تتجاوزها لأنها شكلت في التسعينات ولادة الجيل الابداعي الجديد المخصوص بخلفيات جمالية وفلسفية مغايرة ومسكون بروح التجديد والمغامرة بما سيجعلنا نركز عليها باعتبارها مركزا له امتداداته التعسينية في الساحة الثقافية وباقي الكليات الادبية الاخرى والاحياء الجامعية ويحدد سمات الاجيال اللاحقة ويستوعبها .
إضاءة رابعة 
لن ننضبط في هذه القراءة للمعايير التقليدية في بناء المداخلات والدراسات والابحاث بسبب موضوعي اول وهو سبب تاريخي فانا من واحد من المؤسسين لتوجهات جيل التسعينات الذي سيكون منطلق المداخلة حيث لايمكن أن نتكلم مفصولا عن ذاتي المؤسسة أولا وذاتي الشاهدة ثانيا وذاتي المبدعة كقاص وباحث في التنظير النقدي ثالثا إضافة إلى أنه لا يمكن الاحاطة بالموضوع من جميع جوانبه بحكم ترامي أطراف الموضوع وتشعبه مما يجعل المقام غير قادر على أن يستوعب الاستفاضة في طرح هذه مختلف قضايا الموضوع حيث يبقى ذلك مشروعا نقديا فريدا يعدّ نفسه كي يكون أكثر من كتب وكي يجتمع على دراسته إختصاصات مختلفة من الباحثين الجامعيين والنقاد لذلك ساهتم بجزء من هذه المداخلة وهو :"جيل التسعينات : يقود الجماليات المعاصرة ".
النشأة والأطــــوار لجيل التسعينات أو جيل اسئلة الابداع 
يعود أصل ولادة توجّه أسئلة الإبداع إلى دراسة نقدية نشرتها على أربع مرات في ملحق جريدة الأخبار التونسية الذي يشرف عليه الصديق الشاعر عبد الله مالك القاسمي تحت عنوان" ملامح المرحلة الشعرية المستقبلية في تونس أهي نهاية الشعر الحديث أم بدايته؟ " بتاريخ 06فيفري 1993 أي ما يزيد الآن على اربعة وعشرين سنة وهذا التاريخ وحده يؤكد تأكيدا جازما على أهمية وجودنا كجيل مؤسس وأسبقيته ويكسب هذا التوجّه شرعية أكبر ستجعله حتما أهم مرحلة إبداعية في تونس انطلقت منذ التسعينات في كلية الآداب منوبة وستستمر في فضائها التونسي والعالمي باستمرار تعاقب السؤال و الإجابة وارثة بهذا التوجه مجد خلاصة الأسئلة الإبداعية السابقة وروحها ومؤصلة في التاريخ الحديث مسلكا للإبداع المغامر والأصيل الذي لا يهزه زوابع الفناجين التي يبتكرها العقل الرخيص المتعجل.. 
وقد جمعت في دراستي المذكورة بين أمرين شديدي الصعوبة لا يسلم من مزلقيهما سالك وهما وسع مساحة التنظير واتساع فضائه من جهة وبين ضيق مساحة التطبيق ودقة أمثلته وما يحتاجه الأمر من ترويض للآليات المنهجية وابتكارها كي تلائم الأمثلة وتوّلد من انفلاق الصبح فيها رؤى الاستشراف من جهة أخرى .وكان ذلك في بداية دراستي الجامعية( السنة الأولى تعليم جامعي ) ورغم ما في الأمر من مغامرة وجرأة فقد قلت مؤكدا على البعد الاستشرافي لهذه الدراسة :.".لكن التأمل في المسألة الشعرية يبدو أمرا مشروعا إذا كان غايته تحسس بعض ملامح المرحلة الشعرية المستقبلية في تونس انطلاقا من مجموعة شعراء شبان وجدت نواتها في كلية الآداب بمنوبة ..والزمن يكتسب دلالته من الأجيال المتعاقبة كما تأخذ حركته شكلها الطبيعي من نهاية هذه الأجيال وبدايتها والنظر إلى المستقبل لا يكون إلا من خلال الشباب لأنهم يمثلون زمنا آتيا وهذه المجموعة ستشكل ملامح المستقبل الشعري إذ هي تحاول رسم خطاها في انسجام هادئ يرفض سرعة الوصول ويتمسك بضرورة النمو الطبيعي واستكمال النضج بالانفتاح على ثقافات متعددة " ويتأكد هذا الكلام بعد أربعة وعشرين سنة في واقع الحال لان البعض من هذه الأسماء رغم نصه المتفرّد كنصر سامي مثلا (8كتب وجوائز مختلفة ) وعبد الفتاح بن حمودة (7 كتب )وعبد الله القاسمي (خمسة دواوين ) ومحمد عادل الهمامي (خمسة دواوين )ونجوى الهمامي وفرحات المليح وعمار التيمومي وسالم الشرفي وعادل مالك وفوزي السعيدي وطارق الناصري ورضا العبيدي وعبد الرزاق بنرجب وسمير بنعلي وكارم الشريف من كتاب واحد إلى ثلاثة كتب وعبد القادر العليمي ;وسلوى السعداوي وعبد الحليم المسعودي وصابر الحباشة وعلي الشبعان في النقد من كتابين إلى خمسة إضافة إلى حصولهم على درجة الدكتوراه وغيرهم كثير ممن أقلّوا كتابة وأحسنوا تجريبا وإبداعا لم ينالوا الشهرة التي نالها بعض الشعراء السابقين ولومات أحد من الذين ذكرتهم سابقا لنصبت له التماثيل وسميت المهرجانات باسمه وأصبح نصه مزارا إما بسبب أن نصه كتب وفق الشروط الحماسية التي تستنفر الهمم وتؤجج المشاعر لقرع طبول الحرب أو لمدح خصال وذم أخرى أو لأنه استجاب لما تقتضيه شروط الخطابة السياسية و الجماهيرية أو لان نصه كبير وموته صغيرا رفع عن المؤسسات النقدية إحراج الاعتراف بصغير يكبر بينهم قبل أوانه ويسبقهم إلى ما عجزت عليه أفهماهم كالشابي فيعمدون إلى توثينه من باب استعماله عصا ضد الكبر لا وقوعا على مكامن نبوغه وأسرار حساسيته وتدفق انفجاره وأنواره ورغبة منهم في تحويله إلى مصدر من مصادر تصنيع الكبار من المبدعين أو لأن موقعه المهني هيمن على نصه حتى أصبح النقد للنص مجرد عملية دعائية وإشهارية له..وكم نصا قتله الإشهار عوض أن يحييه وجعل له أعداء قبل أن ينجح في خلق المحبين والأصدقاء كنص المسعدي العظيم وتجربته الفريدة التي لن يقع فهمها حق فهمها حتى يخلّصها التاريخ من نصوص الإشهار والدعاية والانبهار الرخيص والهيمنة التي سجنها فيها عن قصد أو عن حسن نية بعض القراء والدارسين..كما ان قائمة جيل اسئلة الابداع ستتوسع في مهرجانات الشعراء الطلبة وتقطاعها مع نواتات عمل نوادي الاحياء الجامعية الاخرى والمراكز الثقافية التابعة لديوان الخدمات المدرسية بالشمال والمركز الثقافي الحسين بوزيان وستشمل القائمة :كل من الكتاب والشعراء منير هلال وجمال الجلاصي ومجدي بنعيسى ومحمد عيسى المؤدب وفوزية العكرمي وفاطمة بن محمود ولطفي بولعابة ومراد العمدوني وعادل المعيزي وطارق الشايب وعماد العباسي وملكية العمراني غيرهم ممن أصبح قامة إبداعية تحظى بالاحترام والتفوق (وليس هذا مقام التفصيل في تجربتها أو الترتيب النقدي لطبقاتها والحكم على مدى تميزها ) ..
أما الجانب التطبيقي في الدراسة فقد مهدت له بتحديد المنهج الذي اتبعته :"..وحتى لا يبقى قولي ضربا من المجانية يتيه في مسالك القول المتفرع وينسف ذاته من حيث يشعر أنه يبنيها فاني سأحاول اعتمادا على بعض النصوص الجيدة لهذه المجموعة أن أختار الأبيات المتماسكة الناضجة فنيا وان أتحسس من خلالها مواطن الإبداع بالتركيز على كيفية القول وبعض معانيه التي اختزلها في علاقات ثلاثة أثناء العمل : الذات ..العالم ..والآخر .."
ولم تخل هذه الدراسة من بعض الهنات و بعض صعوبات التطبيق. لكن أهميتها تكمن في أنها حاولت متلهفة أن تبدأ بالنظر في المشهد الشعري التونسي وتستشرف ملامحه القادمة قبل عشرات السنوات وليست العشرية التي مضت أو التي نحياها الآن إلا واحدة من خطوات مسار طويل وشاق نصنع فيه في كل عشرية بإذن الله وعونه ملامح جديدة لتوجه أسئلة الإبداع الذي لن يكون مجرد نزوة عابرة ترتبط بشخص منا أو بمكان أو بزمان أو بتجربة فردية ثم تمرّ في الصمت والظل إلى مصير الشحوب و الاضمحلال والاندثار يوما بعد يوم وكأن هذا المصير المحموم قد أصبح قدرا يجمع أغلب المهتمين بشأن الإبداع أن لامناص منه... وقد لاقت الدراسة حال نشرها استحسانا من طرف الشعراء الطلبة كما لاقت الدعم من طرف المشرف على الصفحة في جريدة الأخبار الأسبوعية حيث خصص كامل صفحة الأدب لنشر بعض قصائد هذه المجموعة قائلا في ركنه الخاص "تداعيات ":..ونحن نعتقد أن هذه الأصوات التي باغتتنا بنبرتها الشعرية الحادة والمتميزة ستساهم في صياغة النشيد التونسي العالي بما تزخر به من طاقات تعبيرية واستكشافية هائلة تمكنها بحق من ترميم بيتنا الشعري وتأثيثه في زمن يشي بالانهيار والسقوط وقد عبر عن ذلك صديقنا الطالب عبد القادر بنعثمان في الجزء الأول من دراسته ..."..ويواصل قائلا :".. هاهي أصوات جديد ة تخرج من الجامعة دون أن تمر من مخبر التحاليل السياسية أو الحزبية ودون أن ترتكز على عكاكيز الأيديولوجية كما كانت أصوات جامعية في السابق جعلت من الجامعة مرتعا للضجيج والصراخ والهذيان لقد آن للقصيدة أن تنهض وهذه الأصوات التي نقدمها محاولة أخرى للإبداع .." 
كما أمدّني في شأنها أستاذي الدكتور مبروك المناعي بعد أن أطلعته على الدراسة ورقة مكتوبة في قسمين.. قسم أول فيه ملاحظات منها :"..وإذا كانت الجماعة الشاعرة من شبان منوبة قد لقيت في الصديق والزميل الأستاذ محمد لطفي اليوسفي ما شدّ على أيديها وشجعها فان لك أنت مثل ذلك فقد بدا لي في مقالك هذا وجود خطة نقدية ذات ضلعين : مقاربة عامة هدفها التأطير ثم مقاربة خاصة اعتمدت التطبيق ولم تخل من حسّ مرهف ومن أجراء طيب على أمثلة من المدونة العامة التي أشرت إليها .." والقسم الثاني فيه توصيات هامة ومفيدة منها : اعمل على المزيد من إحكام تكوينك العام الذي أنت في مرحلة هامة منه ...تعلم من النجاح ولا تحفل بالفشل ..احتفل بمن يذمك أكثر من احتفالك بمن يطربك ..لا تتسرع في النشر ولا تستسهله فانه ذو حدين ..أشجعك وإخوانك التشجيع كله.
هذا الإطار الكبير الذي نشأ في ظله توجه أسئلة الابداع الذي احتضنته الجامعة تكوينا وتوجيها بفضل نخبة من أهم أساتذة الأدب والحضارة واللغة في العالم العربي حيث جمع أغلب أساتذتنا إلى جانب دقة المنهج وصرامته حساسية عالية في تذوق النصوص وتحليلها ونقدها ونحن محتاجين اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى دعم توجّهنا الإبداعي بمزيد الاستفادة من مباحثهم وأطروحاتهم حتى نقطع مع ماتميزت به الساحة الثقافية في سنوات خلت من عداء مجاني للدرس الأكاديمي معتمدة بذلك على مسلمة ضمنية مفادها أن الإبداع لاتصنعه الجامعة وأن العلم والإبداع ضدّان لا يلتقيان وفي ذلك دلالة مفضوحة على منتهى القصور المعرفي والضعف النفسي والفقر الإبداعي الذي ينطلق من قياسات مغلوطة ،محكومة في استنتاجاتها بتجارب فردية ربما كانت ستكون أعمق وأقوى وأمتن وأثرى لو أتيح لها فرصة دعم إبداعها بمزيد التكوين العلمي الرصين ومزيد التعمق في دراسة قضايا الإنسان والإبداع والحياة وما اتصل بهما من علوم توسع دائرة المفاهيم والتصورات وتفتح الآفاق وتفجر المواهب والعبقريات.. 
وزن توجه أسئلة الإبداع في الساحة الثقافية 
إن السؤال الذي سيطرح نفسه بعد هذا التقديم ما هو وزن هذا التوجه في الساحة الثقافية اليوم ..ولم لا يعرفه الناس بالقدر الكافي ؟ولماذا لم تظهر بعض انتاجات مبدعيه إلا فرديا وليس تحت عنوان موحّد؟
لقد تعرضنا في بداية هذه المداخلة إلى نشأة هذا التوجه الإبداعي ومميزاته التاريخية التي جعلته يولد لا ليموت ويندثر بل ليحيا وينمو في نطاق أطوار تاريخية واضحة للمبصرين كما دفعته هذه المميزات إلى ابتكار صياغة جديدة لتوليد طاقة متجددة تضمن له بناء التصورات الإستراتيجية للعمل الإبداعي المثمر والمستنير ذي القدرة العالية على الاستجابة للمتغيرات الكونية ومقاومة النسيان والاهمال تحت قناعة أن البقاء سيكون للأجدر والأصلح والأكفأ دائما ..
الطور الأول ويمكن إدراجه تحت عنوان :النشأة وقراءة الواقع الإبداعي ورصد الآفاق وقد كان ذلك بعد 1991 حيث تميز الوضع السياسي العالمي ببروز تغير هيكلي في موازين القوى الدولية من خلال الحرب على العراق وانفراد أمريكا بالقرار السياسي الدولي تحت أغطية وعناوين متعددة منها الإعلان عن ولادة النظام العالمي الجديد وقد كان لهذا التغير تداعيات نفسية واجتماعية خطيرة انعكست بشكل مأساوي محبط على خطابات الشريحة الأكبر من الكتاب والمثقفين والسياسين العرب وأصابت المشهد الإبداعي بالانكسار والانكفاء والجفاء. أما في الوسط الجامعي فقد انعكس ذلك في شكل هستيريا من الرقص المحموم الذي كان الطلبة في المدارج الجامعية وأحيائها يمارسونه بشكل استمنائي عنيف تحت تشجيع من البرامج الإذاعية والتلفزية كمحاولة للتخلص من مأساوية رؤية المشهد على حقيقته والهروب إلى الأشكال البسيطة والسهلة للعلاج والتنفيس ...
وقد أحدث ذلك فراغا سياسيا شلّ جميع قدرات الناشطين السياسين من الطلبة وأدّى إلى تراجع عمل الاتحاد العام لطلبة تونس وجعلته يفقد طاقاته على مواكبة المستجدات وابتكار الحلول و قدرته على الاستقطاب والتأثير كما جعلته يفقد تدريجيا فاعليته وإشعاعه في الداخل الجامعي والخارج حتى أصبح معزولا في شعارات مهزوزة وانفعالات فردية وخطابات يكاد لا يكترث بها أحد .وهو مناخ عام شديد القسوة والسلبية لكنه خلق أرضية إبداعية مؤلمة ونادرة مختلفة على أرضية الثمانينات السهلة والشائعة .تمثلت في غياب الحاضن السياسي ، وتوجيهاته ،وسيطرته، وأبوّته وبالتالي غياب لتقليد هيمن على المشهد الجامعي كان فيه هذا الهيكل يدافع عن الطالب ويرفّه عنه ترفيها ظاهريا متوازنا و مدروسا ينصت لأوجاع الإنسان وقضاياه الجديدة ويدفع بالإبداع إلى تحسس مسالك الأمل والإخبار عنها (ولو في شكل شعارات في إطار البرنامج السياسي الرسمي ).. هذا الفراغ الخطير الحادث جعل المواهب الجديدة تندفع إلى تشكيل أطر ومرجعيات مستحدثة ذات طابع فنّي ومعرفي وجمالي متنوع وشامل متحررة بشكل كبير من السياسي المخذول و المهزوم وقد كان ذلك هو المبرر الشرعي والحاسم لنشأة توجه أسئلة الإبداعي في طوره الأول كنواة شعرية مستبطنة لأهم التفاعلات الابدعية الجديدة التي كانت تتصارع وتتولد في قلب البني والتركيبات الاقتصادية والسياسية والمعرفية القديمة محاولة بشراسة واستماتة صياغة مسلكها الجديد في هامش الحرية المعرفية و الإبداعية الموجودة في الجامعة وأحيائها ونواديها كاستجابة متميزة لحقيقة المرحلة ومتطلباتها التي لم يكن أحد يقدرها حق قدرها .. 
الطور الثاني فيمكن إدراجه تحت عنوان :توسيع المشاركة و بلورة الأسئلة عبر فضاء نادي أسئلة الإبداع الذي بعثناه في الحي الجامعي منوبة مع مجموعة من الطلبة الموهوبين في مجال الشعر والقصة والموسيقى والمسرح والنقد وقد فتحنا فيه نقاش عدّة ملفات متقدمة وفريدة إلى اليوم لم تشهد نوادي الحياة الجامعية مثلها :منها ملف حول القصيدة المعاصرة وقع التطرق فيها إلى مسألة الأسطورة في الشعر ..مسألة الإيقاع ..مسألة الفروق بين القصيدة الفصحى والقصيدة العامية كما فتحنا ملف القصة وملف علاقة الأدب بالصحافة وملف علاقة الجامعة بالساحة الثقافية وبالإبداع واستضفنا فيه لنقاش تلك الملفات عدّة وجوه علمية و ثقافية وتلفزية عاشت معنا توليد أسئلة الإبداع وبلورتها في سهرات امتدت على ليالي السنة الدراسية 1994/1995 وكان من هذه الوجوه الأستاذ توفيق بكار والأستاذ محسن بلعربي والأستاذ علي القابسي والكاتب الصحفي الصافي سعيد والروائي حسن بنعثمان والدكاترة منصور قيسومة و مبروك المناعي وجلول عزونة والشعراء منهم أولاد احمد ومنصف المزغني ومحجوب العياري ومحمد الهادي الجزيري وحافظ محفوظ وعبد الستار العبروقي والمخرجين التلفزيين مثل الحاج سليمان وعبد القادر الجربي ... وقد كانت المواكبة الإعلامية المكتوبة في كل ذلك هامة خاصة من طرف جريدة الأخبار و مجلة الملاحظ وجريدة الصحافة وجريدة الحرية وجريدة الصباح .. الطور الثالث فيمكن إدراجه تحت عنوان : تعدد التحديات و انشطار النواة وتبرعمها واكتفائها بالذوات المفردة والمتباعدة مصدرا في صناعة الإبداع للمحافظة على النمو والتكاثر وفق علوم البيولوجيا الحديثة التي تهبنا قانون التكاثر اللاتزاوجي بديلا للتكاثر التزاوجي وقد تم في ذلك اعتماد أسلوب "بدائيات النوى" المستخدم في بعض شعب اللافقريات لضمان النمو الإبداعي في أخطر لحظة أفلست فيها النخب الثقافية وعجزت عن لعب دور ايجابي في تحصين مكتسبات المجتمع الحديث في المجالات المختلفة من النهب والتقهقر والاحتكار وقد ضمن هذا الأسلوب إمكانية المحافظة على شعلة الإبداع وتوهجها دون الاعتماد على مساعدة الآخرين وانتظار دعمهم وتاطيرهم.. بالإضافة إلى استخدام طريقة التبرعم Budding وهو الأسلوب الشائع في التكاثر عند النباتات حيث ينشأ في مكان ما من الجسم بروز صغير (برعم ) سرعان ما ينفصل ويواصل نموه وتشكله مستقلا إلى أن يصبح فردا جديدا ..
الطور الرابع فيمكن إدراجه تحت عنوان : التحام المبدع الجديد بالحياة اليومية من أجل تأمين مصادره المعيشية وفيها مواجهة لحقائق جديدة لا يمكن تحصيلها في الجامعة واكتشاف للوجه الصادم والقهري للحياة لكن ذلك كان مفيدا جدا لنا حيث أغنى نواة الجيل الأول لتوجه أسئلة الإبداع بقدر كبير من الشعور بالآخرين وبمعاناة العالم اليومي المليء بالمشاهد القاسية التي تؤلم المشاعر الحالمة وتصيبها بالانكسار الشديد والفواجع الصادمة لكنها في المقابل تكسبها أبعادا واقعية في تجربتها لا يمكن للإبداع أن يطلب علوّا أو يدّعي لنفسه التفوق والريادة من دونها وقد كان لها الفضل الكبير في إكساب تلك المشاعر صلابة واقتدارا وفي شحذ الهمم بإصرار أكبر وعزيمة أشدّ وإرادة أعتى وقد عبّر الروائي عبد الرزاق المسعودي عن بعض هذه الصدمات في سيرته الروائيه التي تفتح أمام قارئها عوالم شعرية وحكائية ساحرة وصادمة تذكّر بأجواء الكتاب الكبار كأجواء الخبز الحافي لمحمد شكري حيث يقول مصدوما من العالم الجديد الذي دخله بعد الجامعةص74من كتابه أجمل الذنوب: .."كنت أبيع السلع في الشوارع والأسواق وأحيانا لأصحاب المتاجر ولأجل ذلك كنت مضطرا أن أتعامل مع أناس بمثابة وحوش ضارية .لا مكان للروح بينهم .لا يتكلمون إلا الأرقام أو الكلمات البذيئة يفرحون عند خسارة أحدهم وتلقيه صفعة تجارية ..يقيمون الولائم لمثل تلك الأخبار .في الصباح عوض أن تستقبل نهارك بالياسمين والعطر والكلام الجميل تجد نفسك مضطرا أن تستقبل نهارك بالكلمات المخاط التي يتبادلها البائعون منذ الفجر بالسب والشتائم ..منتهى العنف والقسوة .يتمخطون كثيرا ..يتبرزون تحت الجدران ..يبولون في أي مكان إلى درجة تشعر إنهم يبولون على أيامك "..وقد أدّت هذه الصدمات عند الجيل الأول لتوجه أسئلة الإبداع إلى اقتحام قلعة الأسئلة الوجودية الكبرى التي قد تمثل للكتاب الصغار مجرد ترف فكري ونفسي غير جدير بالبحث والاهتمام هذا الاقتحام سيؤسس لمناخ جديد لا يرتاده إلا النص الفريد المغاير الذي يصيب قارئه بالدهشة والاستغراب وقد أصّل من قبلنا لمثل هذا الاقتحام لتلك القلعة العصية ،المتكتمة على جحيم أسئلتها الأديب المقتدر غير المعروف محمود المسعدي (في الأدب العربي الحديث) وشيخ فلاسفة الصوفية ابن عربي في الإبداع القديم وسنجد هذا الاقتحام عند عبد الرزاق المسعودي في ص 40 من نفس الكتاب مبلورا في جمل بسيطة وصياغة واضحة و تفرعا شديدا هادرا : " ..كيف أكتب آلاف الأوجاع ؟ كيف أعبر عن حالة غير ثابتة وعن رغبات متماوجة ومتضاربة ؟ كيف لي أن أجمع طرائق إقامة مختلفة في واحدة فقط ؟ رأيت في كل الأشياء عكسها ونقيضها . أشعر أن روحي مرتع لآلاف الرؤى والتصورات .يسكنني القديس كما يسكنني الماجن ويتصارع فيّ الضوء والظلام .تفتنني السماء بقدر ما تغريني الأرض .لم أكن ثابتا على شيء واحد . حياتي محكومة دوما بتوتر وتردد لا ينتهيان لكن الحقيقة واحدة .أين يكمن الخالد وكيف يمكن حلولنا فيه أو حلوله فينا ؟ هل في إخماد الجسد وقتل شهواته أم بإشباعه وإغراقه في الملذات ؟ هل أن المطلق يمكن الإطلالة عليه بطريقة واحدة أم بطرق مختلفة ؟ ابن عربي كان يبحث عن الله وأبو نواس أيضا .لكن طريقتهما على طرفي نقيض .من منهما الصحيح ؟ لا أدري .قلبي مترع بالأسى واليأس. كل معرفة جديدة أمتلكها تولّد فيّ ظمأ جديدا وكل درب بكر أسلكه يلقي بي في العماء والجوع الأكبر للحقيقة .إنها حالة برص نفسي وجرب روحي ."قلبي صار قابلا لكل صورة "لكن أين الانسجام ؟ أين الوحدة بين هذه الصور ؟ هناك لوثة في الروح .الإنسان لا يمكن أن يقصد مكانين في نفس اللحظة وكذلك الحقيقة لا يمكنها أن تتم عبر صور عدّة. تعبت من الاحتمال ومن النسبي . بي جوع إلى الله وبي ظمأ إلى ما لست أدري .
الطور الرابع فيمكن إدراجه تحت عنوان : النشر وبداية الإطلالة الناضجة على المشهد الإعلامي ومعاناة إثبات الاختلاف وفرض الاعتراف..وقد أصدرت النواة خلال ذلك عدّة كتب وبدؤوا عملية التعريف بجدّة مشروع التوجّه والدفاع عنه. وتميّز الشاعر نصر سامي بقدرة فريدة على توضيح الخطوط الكبرى لهذا المشروع في الصحف وفي كتبه المتتالية..فنجده يحدد بلغة استعارية جميلة طبيعة نصه الذي يريد كتابته فيقول : ..وأرى أن مسؤوليتنا لا تقف عند استقبال النص وغسل الأقلام وتلوين شفاهها بالأزرق وتوفير الأجساد البضة والأرائك لاسعاد السيد النص.لسنا نملك حساسية العبد لنكون الجسر الأبدي لأقدامه النورية .
يأتي النص لأننا نريده أن يأتي .لا نقيم له المراسم .يسقط مليئا بالأخطاء ومتبرئا من القداسات وحاملا خطيئة الإضاءة وارتكاب فعل الحب وتلويث مساجد القواعد المسطرة .. 
الطور السادس فيمكن إدراجه تحت عنوان : الوفاء لتوجه أسئلة الإبداع والإصرار على الظهور الجماعي وفيه دعوة إلى إثراء التوجه بكل تجربة فريدة تتمتع بروح المغامرة والتجديد وتثير قدرا من الأسئلة الإبداعية التي توسع من دائرة فهمنا وذوقنا للجمال وقدرتنا على الحياة بشكل أذكى وأعمق وذلك بالاتفاق على كسر التسمية الرائجة إعلاميا :جيل التسعينات لاعتمادها على مغالطات كثيرة منها تعارض هذا الاصطلاح مع المتفق عليه في دفاتر الحالة المدنية من أن أبناء التسعينات هم المولودون في عشرية التسعينات واستعارة التسمية من الولادة الطبيعية وإجرائها مجازيا على الولادة الإبداعية فيه تعسف شديد على المبدعين السابقين الذين مازالوا أحياء ولهم حضورهم الإبداعي والتسمية على هذا النحو تستعجل موتهم وهذا غير جائز ولا مقبول .كما أن التسمية بالزمن فيها تعميم شديد يلغي الفوارق والاختلافات ويشيع ضبابية الفهم والقراءة ولهذا يكون من الأنسب التسمية باعتماد التوجهات النفسية والذهنية لأنها تشكّل وحدها المميّز للتجارب والتصورات والمشرّع الوحيد للوجود الفاعل ذي الخصوصيات المتفردة وعلى هذا الأساس يكون توجّه أسئلة الإبداع لا حزبا سياسيا أو جمعية ثقافية أو مجرد حركة أو جماعة بل هو فعل نفسي وذهني مميّز مقره القلب ووسيلته العقل ووجهته صناعة المستقبل ومطلبه سؤال الإبداع والسؤال نحمله على أداء معنيين : المعنى الأول الاستفهام وما يقترن به من حيرة وبحث وتقليب للمسائل على مختلف وجوهها والذهاب الدائم من ظاهر الأمور وسطحها إلى باطنها وعمقها والحفر في المخفي والمستور واستخراج جواهر المعارف والعلوم والمعنى الثاني هو طلب الإبداع بما يعنيه الطلب من رغبة وإرادة وسعي واجتهاد وفي هذا إقرار بحقيقة المسافة الصعبة بين الموجود والمطلوب التي تعلن فقدان المطلوب أكثر من تحققه ولكن الوعي بالفقدان هو الخطوة الأولى على درب تحققه ..
ولابد من الإشارة في هذا الصدد أن هذه الأطوار قد تختلف زمنيا من مبدع إلى آخر كما أنها قد تتميّز في بعض تجارب التوجه بكسر تعاقبها الخطي وتعايشها مجتمعة داخل المرحلة الواحدة كما أنّ الاختلاف في بعض المنطلقات والمطالب سيشكل محور التقاء لا محور افتراق وذلك من أهم عناصر ديمومة هذا التوجه ومميزاته الذي ستمكن الأجيال القادمة من إمكانية المشاركة بسهولة في تأصيله دون التخلّي عن خصوصياتهم ومطالبهم المستجدة في إطار "أجيال إبداعية" لا "أجيال حالة مدنية." 
مميزات توجه أسئلة الإبداع ورهاناته 
عند ظهور أي تجربة إبداعية أو أي حركة أدبية أو لون فني جديد فلابدّ أن يثير ذلك الظهور عديد الأسئلة من قبيل : ما هي أطروحاتها ؟ ما هويّة المنتسبين إليها ؟ وما أسباب وجودها ؟وما الذي تستطيع أن تضيفه ؟ ومن الطبيعي أن تطرح هذه الأسئلة خاصة في الولادات المفاجئة وغير الشرعية لكن عندما يكون هذا الظهور ناتج عن ولادة طبيعية لا تكلّف فيها ولا إسقاط ولا شذوذ فإنها تجد الأحضان مفتوحة لاستقبالها والإشادة بخصالها بشكل قد ينسي الكثيرين إثارة تلك الأسئلة وهذا ماحدث لتوجه أسئلة الإبداع وماحظي به ساعة ولادته من محبّة وتشجيع ونعدّه نحن علامة إضافية من علامات النجاح في إطار مسار النمو الهادئ القوي والاستجابة لمتطلبات المرحلة ومقتضياتها والوفاء لروح الإبداع والالتزام بقانون الطبيعة في إنجاب العلماء والعباقرة والمبدعين الكبار الذين يولدون لأبويهما وسط أجواء من الفرح و الغبطة والسعادة والاهتمام بجنس المولود والإعجاب بجمال المظهر وقليل من الذين شهدوا ميلادهم سينظرون إلى جوهر المولود ومستقبله الذي سيشكل لاحقا حقيقة الوجود وفرادته باعتبار أنني انطلق- وهذا ما قد يخالفني فيه بعض أصدقائنا في توجه أسئلة الابداع- من اعتبار المواهب والعبقريات فطرية في الإنسان على خلاف ما يذهب إليه الكثيرون ممن ناقشوا هذا الموضوع شرقا وغربا محاولين الجمع بين الطبيعة والثقافة بل نزيد على ذلك بالقول إن العبقرية والموهبة معلومة للخبراء والعلماء الأصيلن لا كحالة فلكية و تنبوئية تخلط بين الشعوذة والخبط المعرفي العشوائي بل كممارسة منهجية علمية تقوم على اعتبارالعبقرية حتمية وواجبة الوجود على غير معنى المقولات الاعتبارية الثلاثة للمنطق : الوجود الإمكان الاحتمال والتي يستخدمها المتكلمون في سياق نقاش قضايا الوجود والعدم والخلق والخالق والقدم والحدوث ولكن على معنى التجريد العقلي لما أصبح مثبتا بالتكرار والتعميم والتجربة الذي يفضي في حالة الوقوف على طبيعته الآلية كجهاز تاريخي مصنّع للمواهب والعبقريات إلى القول بان عبقرية المولود ومواهبه كامنة ليست لحظة ولادته فقط وهي مؤجلة إلى موعد احتمالي يضبطه المستقبل لاحقا بل هي كامنة في الأزل باعتبارها محمول في حامل ويؤّمن هذا المحمول أصلاب الرجل في إطار برنامج وراثي كما تؤّمن حمله الثقافات والحضارات باعتبارها برنامجا إطاريا صناعيا حاملا لقوانين إنتاج الضد والشبيه راسما لطبيعة الأدوار الممكنة وضرورتها حاضنا تماما كرحم المرأة لتشكل النطفة ونموها القهري الذي لا ينفع معه حتى محاولات الإجهاض .
وقد كان هذا الأساس النظري والحيوي لوجود مولود التسعينات وعبقريته التي أخذت معنى الحتمية وأخذت شكل الوجود النامي والكامن جاريا في الزمن كما يجري التيار الكهربائي في الأسلاك التي تؤّمن مروره من محطة التوليد إلي أزرار الاستعمال ولا يرى الإنسان جريانه إلا لحظة الضغط على الأزرار و تحقق الضوء ولهذا فان إرادة الإضاءة ستشكل أهم فرصة لذلك العقل الرخيص المتعجل لاكتشاف وجود الضوء وجريانه العجيب في الأسلاك الحديدية الجامدة والتخفيف من خطابات التأبين للإبداع وكأنه ليس بالإمكان أحسن مما كان كمثل من يعيب الزمان والعيب فيه وما لزمانه عيب سواه ولا يستطيع التصور إطلاقا أن ما سيجود به الزمان من جمال وفن وعلوم لم تشهده علوم البشرية السابقة وفنونها كافة ولن نقول كما قال الأسلاف فقط هم رجال ونحن رجال بل نقول هم رجال ونحن رجال مضاف إلينا خلاصة الرجولات السابقة وجدة الزمن.
1 حركة الطليعة الأدبية رافد فني وجمالي وتنظري أول للتوجه 
من أكبر أمراض الساحة الثقافية التي يوجد بشأنها إجماع في الشكوى منها هي ضعف الذاكرة والجحود والنكران الذي يبديه اللاحقون للسابقين .والواقع أن هذا المرض المزمن لا يرتبط فقط بالذاكرة بقدر ما يرتبط بضعف المتذكرين ..فالذاكرة مهما قويت فهي ضعيفة ومبنية في أساسها على المحدودية والنقصان ولابد من وجود محفزات ومنشطات تدفعها إلى التذكر منها اعتماد السؤال كطريقة في العلاج والتحفيز وهو ما نراه في معناه الكوني والعقلي الأصيل قد صنع مجد الفلسفة وتاريخها العظيم على يد طالب الحكمة الفيلسوف اليوناني سقراط الذي اعتماد السؤال لتنشيط الذاكرة ودفعها إلى التذكر معتبرا في معادلة سهلة ومنعشة أن العلم تذكر و الجهل نسيان ومهما يبلغ الاختلاف حول دور الذاكرة وعلاقتنا بها فهناك شبه اتفاق على شرطها الحاسم في نجاح مهام العقل وأدائه لدوره الأساسي في تحقيق الكينونة والوجود ولعله من أخطر وظائف العقل وأهمها على الإطلاق بعد مهام الاكتشاف والتجديد هي حراسة الذاكرة وخدمتها برموش العين لان تلك الخدمة الجليلة الفاضلة هي وحدها التي تكوّن الرصيد التاريخي لقوة الأفكار واقتدارها وهي وحدها التي تقدم للبشرية في لحظات النسيان والزيف هدية من أجمل الهدايا : مرآة تريك وجهك الحقيقي وعقل قوي أمين ،مقتدر يعلمك نفسك ويقول لك من أنت وما الذي تفعله في الكون..ولولا أن بنى الإسلام خطابه على فعل التذكير بالنبوات والرسالات والأمم السابقة كضامن لخروجه من سجن الجغرافيا الصحراوية وبدواتها الفاضحة إلى رحابة التاريخ السابق وانبساط المستقبل العظيم اللاحق ووسع الكون الرهيب لما أمكن له ،حتى لو برع في استعمال كل سيوف الدنيا أن يتجاوز شبرا واحدا من تلك الصحراء القاحلة والطباع الهمجية المتوحشة التي اجتهد العقل الرخيص المتعجل في إعلاء كلمتها وتعميم قيمها حتى كادت تقضى على ذاكرة الشعوب وخضرة الأوطان وتوهم بأنها هي نموذج القيم الأعلى والعقل الأفضل والوجود الأحسن في وقت يؤكد فيه العقل القوي الأمين بطلان ذلك الطرح وخسرانه لان من ينقذ الحقائق دائما من حصار الزيف والحسابات المغلوطة والمصالح الساذجة لم تكن العشائر والقبائل والعادات القديمة البالية ..لم يكن الأهل والأقارب بل أولئك الذين تفيض أعينهم من الدمع لسماع الحق ألم يكن من العجب ومن أكثر ما يثير الدهشة والانبهار و الذي لا يريد العقل الرخيص المتعجل سماعه ورؤيته أن يكون أول من نصر الإسلام وأنقذه من بطش قبيلة قريش -أفضل قبائل العرب - وعزمها على القضاء عليه قبل نصرة الأنصار هي الديانة المسيحية، في لحظة كانت فيها الجاهلية حالة عربية أساسا ولم تكن حالة كونية ألا ترى قول الرسول عليه الصلاة و السلام ناصحا أصحابه حين تأكد الهلاك: اذهبوا إلى الحبشة ففيها ملك لا يظلم عنده أحد ..فهذا العدل المفقود في أخلاق البداوة وأشكال إقامتهم على الأرض وفي صحراء الجزيرة العربية وقيمها كان موجودا عند ثقافة أخرى هي التي نصرت الدين الجديد و أنقذته لتضرب المثال الساطع أن العدل في كل زمان ومكان هو الذي ينصر العدل والحق هو الذي ينصر الحق وكان من المفترض أن عدل المسيحيين الذي أنقذ عدل الإسلام وقيمه الجديدة الباهرة بما صنع في التاريخ أقوى وأجمل مشاهد الإيمان والتقوى ونصرة الحق هي وحدها القيم التي كان يجب أن تكون محور الإعلاء والإهداء إلى الحضارات والثقافات الأخرى التي كانت في تلك اللحظة كتونس مثلا تنعم بتشييد المدن والمسارح والقصور والآثار التي يمرّ عليها كل واحد منا بالغدو والآصال في كل مكان من وطننا شاهدة قبل المبدع العلمي الأصيل ابن خلدون وقبل تاريخ المؤرخين وحذلقة العقل الرخيص المتعجل على طبيعة العقل التونسي وحقيقته وانجازاته قي وقت كانت فيه بعض قبائل العرب تعبد الحلوى وتئد فلذات أكبادها من البنات تحت التراب في ديار بكه وصحرائها وما كانت تونس معنية بالخيمة ولا بقيمها الثقافية ولا الجمالية وما هو من المعقول أبدا أن نستبدل ثقافة القصور بثقافة الخيم والقبور وأن نولى وجهنا عن القيم الجميلة السمحاء :قيم النص الجديد التي خرجت بالعرب من القبلية و الفيافي والقفار إلى حضارات العالم ومدنه وخيراته العديدة ..تلك القيم التي تجعل العيون تفيض من الدمع بما تفتحه العبارة الجديدة من آفاق غير معهودة في إبداع المعنى وكشف الحقائق وتوسيع دائرة الفعل والفكر والوجود بالشكل الذي أطاح بمملكة شاعر القبيلة و وأسس على نحو فريد لمملكة شاعر الكون وعالم الوجود وما كانت المرحلة الإبداعية الموازية لحدث النبوة ببناها الصحراوية وجمالياتها البيانية والحماسية أن يكون لها القدرة على إحداث النقلة النوعية في الأذواق والموضوعات والأساليب والتصورات بل حصل العكس -و سنبين ذلك لاحقا في دراسة مستقلة- فاللغة التي كانت قبل حدث النبوة يتيمة تائهة في تناحر القبائل وتقاتلهم وبداوة وجودهم -إذا اعتمدنا لها التاريخ المتداول المعروف وليس المفترض -لا تتغذى حياتها وصورها وموضوعاتها وأساليبها من صناعات ومهن ومنتوجات تفرض عليها توسيع دائرة حقولها ومسمياتها وهو ما يشهد التاريخ المعلوم بتطوره عند كثير من الأمم المجاورة للجزيرة العربية تاريخيا وجغرافيا فنرى مباحث في القوانين والعلوم و الفنون والفلسفة والوجود و في العمران وعندما نأخذ تونس أو مصر أو العراق مقياسا تاريخيا قبل الإسلام في هذا الباب فلا نريد بهذا مدحا أو غلوا أو دعوة لردة تاريخية ولكن للوقوف على الأمراض الحقيقية في جسد هذه الحضارة وقوفا يمكننا من فرصة التعرف بطريقة أفضل على مكامن الداء و كيفيات تحقيق الشفاء العاجل فمتى تمّ حسن تشخيص العلل سهلت المداواة والتعافي والصحة لهذه الأمراض التي نراها مرتبطة باللغة أساسا لأنها في التصور العلمي الحديث لم تعد مجرد آلة من آلات التواصل والخطاب فقط بل هي كون ووجود وطريقة تصور للوجود وإقامة فيه ففي اللحظة التي نجد فيها اللغة تستنفر كل قواها وطاقاتها ونبوغها لتقول بلسان امرئ القبس في مستهل معلقته:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها* * لما نسجتها من جنوب وشمأل
ترى بعر الأرآم في عرصاتها **وقيعانها كأنــــــه حـــب فلفــــــــل 
أوفي في استهلال معلقة طرفة : لخولة أطلال ببرقة ثهمد **تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد /وقوفا بها صحبي علي مطيّهم **يقولون لاتهلك أسى وتجلد .
أو في معلقة زهير: أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلم **بحومانة الدراج فالمتثلم
ودار لها بالرقمتين كأنها **مراجيع وشم في نواشير معصم 
أو في مستهل معلقة عنترة :
هل غادر الشعراء من متردم ** أم هل عرفت الدار بعد توهم – 
يادار عبلة بالجواء تكلمي ** وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
سنجد في المقابل قبل الإسلام في تونس بأكثر من قرن ونصف كان المفكر المبدع أوغستين لا يبكي دار عبلة ولا سقط اللوى ولا حومل ولا توضح ولا المقراة ولا حبيب راحل في الصحراء ولكن ينظر ويبحث في مطلق الأرض والكون بنفس شاعرية الشابي ولكن قبل 1500سنة من ولادة الشابي يقول : سألت الأرض فأجابتني :" لست إلاهك ، وكل ما يعيش فوقها قدم لي نفس الإجابة سألت السماء الشمس القمر والنجوم "وتدل هذه الأسئلة أن لغة تونس كانت ساعتها تتجول عبر هذا الفكر التونسي القوي في مطلق الكون وتسائله في كتابه الاعترافات عبر 252 كتابا في 92 مجلدا شملت عددا من المؤلفات والمراسلات والمحاورات أثرت في كامل التفكير الغربي حتى الأزمنة الحديثة كما كانت هذه اللغة أيضا تدرس نفسها :"..كنت أدرس في تلك السنوات الخطابة ..أعلّم فن التفوق بواسطة الإسهاب اللفظي ، كنت أود أن يكون لي تلاميذ جيدون ..كنت أعلمهم فن الإقناع .. لا لأخسر إطلاقا فكرا بريئا ، وإنما لأنقذ فكر خاطئا .". 
هذه الروح الفكرية الناضجة والعقل الفلسفي الخلاق التي تربّى عليها العقل التونسي ولغته ونحن نجهله جهلا شديدا دفعنا إلى الذهاب إلى لغة صنعت جمالها وإبداعها قبل الإسلام انفعاليا لاعقليا وصحراويا لا كونيا ودون أن نقف على حقيقة وأهمية ما حدث في التاريخ للغة بدائية جميلة ولكنها فقيرة من العلوم والمصطلحات ومن الفنون ومن ثورة الموضوعات والأفكار والتصوارت التي أحدثها لاحقا النص القرآني فحرر لغة العرب من سجنين : السجن الأول هو سجن " المتردم "أي أفانين القول المعادة والمكررة التي مجّها الشعراء أنفسهم وعبّرت عن ذلك ثورة القرن الثاني الهجرى في الشعر المولد من خلال ردة الفعل العنيفة التي جاهرت بالاستخفاف الكبير والتهكم والسخرية الواضحة من النص القديم في قول الشاعر أبي نواس : عاج الصبي على رسم يسائله** وعجت أسأل عن خمارة البلد /مستبدلا الرسم الدارس بالخمارة كرد فعل عنيف على المؤسسة التي تحاول إحياء مواضيع ذلك الشعر وتتحايل لاستعادة سلطانه ومجده وإعلان تقدّمه على كل الفنون الأخرى.. السجن الثاني هو سجن المرجعية والأغراض والوظائف حيث أخرج النص القرآني اللغة العربية من حالة البعير الذي يركض في الصحراء إلى حالة السفينة الفضائية التي تتجول في مطلق الأرض والبحار والمحيطات والسماء والأنفس والتواريخ والأمم والحضارات لتعلن مجد الاستحقاق الكوني الجديد للكلام باسم الكون وخالقه لا الكلام باسم القبائل وبداوتها بما يقيم الدليل وحده على وجود ما اتفق الجميع على اعتباره معجزة قرآنية وأسرار عجيبة لم يألفها الذوق ولا الفكر القبلي العربي و لكن قبيلة قريش ستمارس أخطر الحيل لتكبح جماح حركة اندفاع اللغة وتحررها بفضل النص الجديد وتعيدها إلى مربع الفقر الأول.. إلى مربع المشغل القبلي وكل منتوجاته الإبداعية والوجودية المحدودة وتقضى بهذه الاستعادة على أهم القيم التي جاء بها النص الجديد ..القيم التي رأيناها تاريخيا كيف تجعل الأعين تفيض من الدمع وتفيض بالأحداث التاريخية المدهشة العذبة و الإبداع الخلاق والحقائق الكونية والعلم المتجدد ونكتفي بأفقر أشكال الابداع المسجون في أغراض شعرية لاتسمن ولا تغني من جوع ونصرّ حتى في عصرنا الحديث على اعتمادها محددات أساسية في تعريف المقومات الشعرية والجمالية للقصيدة ومازلنا نخوض المعارك الهوجاء للدفاع عن البنية الصحراوية للقصيدة باستماتة متوهمين أن سعي بعض المبدعين إلى خلخلة هذه الأركان مرتبط عندهم بمؤامرة و بمفاهيم استعمارية هدفها القضاء على عبقرية اللغة العربية والحقيقة أن جهلنا العميق بتاريخ المعارف والآداب جعلنا نخوض معارك خاسرة ونضيّع من الوقت في النقاشات الفقيرة والسطحية ما أحدث شرخا حضاريا عميقا خلق فصاما في الشخصية العربية الإسلامية ما فتئت عوارضها تتعمق وتتوسع نتيجة عدم التمييز بين قيم الإسلام الحيوية وبين ثقافة الصحراء القاتلة واستقبال هذه الثقافة على أنها جزء من قيم العروبة والإسلام مما دمّر خصوصية الثقافة الوطنية ومكاسبها الرائعة في كل بلد دخله الإسلام فهيمنت الثقافة الصحرواية على قيم العقول الوطنية تدريجيا بدل هيمنة القيم الإنسانية مما أحدث تراجعا تاريخيا خطيرا غير مبرر عن السقف الإبداعي الذي بلغته الخصوصية الجمالية والمعرفية في تلك البلدان التي عرفت حضارات كبرى كمصر وبابل وفارس والشام قبل الإسلام.. ونجد نحن في تونس صورا لهذا الإبداع الراقي الذّي بلغته قبل الإسلام مثلته رواية المسوخ لأبليوس التونسي الذي كان يتقن كل لغات عصره بما فيها اليونانية ..يقول مقدما روايته " سوف أقص عليك هذا النثر الميلاتي .سلسلة كاملة من الحكايات المنوعة تدغدغ أذنك المرتاحة بهمس رفيق وسوف يمتلكك العجب وأنت ترى مخلوقات بشرية تخرج من طبيعتها وعن منزلتها لتتخذ شكلا آخر ثم تعود من جديد في حركة عكسية إلى حالها الأصلية" ألم يكن من الأولى والأجدر تنمية فن الحكاية بدل فن الحماسة والعمود؟ .أي تنمية فن الهمس الرفيق والعجيب بدل فن الصخب المفضوح والمدح والهجاء.هذا ما سيكون اليوم من الواجب على أجيال توجه أسئلة الإبداع استدراكه والعمل على تخطّي أخطار مآزقه التاريخية والحضارية التي عشناها في غياب رؤية علمية عميقة لمجمل العلاقات والقضايا المصيرية ونشير بأسف كبير إلى أن الشابي قد تعمق في بيان بعض هذه الحقائق على نحو عبقري فريد في كتابه الخيال الشعري عند العرب ولكن ذاكرة العقول الرخيصة المتعجلة تنشغل للأسف الشديد بتحويله إلى صنم حتى لا تبذل أي مجهود في القراءة وحتى تجنّب نفسها مشقة الفهم والفكر والتدبر والتجديد ومعاناة البحث الحقيقي الحائر عن تحقيق الوجود الأحسن و تحمل مسؤولية صناعته على أكمل وجه :تعميرا للكون ،وتعارفا بين جوهر الثقافات ،وتكاملا بين الحضارات...
--- ونظرا لأهمية حركة الطليعة الأدبية التي رغم محاولة أصحابها الرواد المجددين الحكم عليها بالموت السريع حيث أعلن بعض رموزها عن توقف حياتها بعد 1972 فان حياتها ليست في الحقيقة مرتبطة بهم لان الأفكار لحظة ولادتها واستقبالها في الوجود من عموم الناس يصبح موتها وحياتها وملكيتها وهويتها بيد التاريخ .. فملائكة الولادة والحياة لا يمكن أن تكون هي نفسها ملائكة قبض الأرواح وسلب الحياة من الأحياء ..حركة الطليعة ولدت لتحيا إما بنفسها وإما في غيرها وهي ذكية وعظيمة وقد يؤلمنا قليلا أن نعرف أن من طبع الناس الجحود والنكران وهو ما ألفناه في القرون والعهود الماضية ولا عزاء لنا إلا في وفاء الحياة نفسها لمبدعيها وهذا هو الأهم والأعلى ..إن الحياة شديدة الرحمة والعطف على الإنسان من نفسه ،و من طبعها الوفاء لمن كان وجوده شرعيا مستجيبا لشروطها وقوانينها هي فحسب 
ولابد لأفراد الجيل الثاني من وجهة أسئلة الإبداع ومن يليه إذا أراد أن يتوجه حقا وجهة أسئلة الإبداع ويفي لمشروعها أن يجعلها رافدا لأسئلته وإبداعه فهي غنية بالتجارب والتنظيرات وتصلح أن تكون منطلقا نظريا هاما يدعم ويشجع ولادة أسئلة الإبداع كأجيال مسكونة بقضايا الوجود والحضارة والفكر والإنسان وما يقتضيه هذا الانشغال من الإحساس الفريد بحرقة الأسئلة وتحديات المرحلة ولنا فخر كبير أن تنجب تونس مثل تلك الرموز أمثال البشير بن سلامة ومحمد صالح بنعمر وعز الدين المدني وسمير العيادي ومحمود التونسي ومحمد المصمودي والطاهر الهمامي ومحمد الحبيب الزناد التي وان تصارعت وانفك عقدها وتشتت جمعها وظهرت بغير ما يستوجب الظهور به في الساحة الإعلامية كما أثبت ذلك كتاب حركة الطليعة الأدبية من خلال رموزها للكاتب والصحفي محمد المي وما أجراه بين رموزها من حوارات لابد منها في الواقع حتى تنقشع بعض الغيوم وتتضح الرؤية وهي رغم قسوة الحقيقة المرة التي صدع بها قول البشير بن سلامة ص 30 " يروق لي أن أكون مع الناس أولا. ولكن في مجتمع ما يزال في الغالب لا يعرف قيمة الناس أو لا يريد الاعتراف بها ..مجتمعاتنا العربية تربيت على الانبهار بالخيلاء وعلى الخضوع إلى العنتريات على حذق التعاظل لقلب ظهر المجن عند الحاجة وفي الجملة قوة العجرفة والصفاقة والغلظة وصفات الإعراب التي أنكرها الإسلام أما الكفاءة والبروز الحقيقي المعنوي والتميز بدون بهرج وفخفخة ومناورات وخداع ومظاهر كاذبة فهي سوق نافقة للأسف عندنا.. " فانها كانت سباقة إلى الوقوف على مسالك الإبداع المقتدر وطارت بعيدا ولا يهم إطلاقا أين وقعت..
2 الـــرافد العالمي 
بدأنا بتونس كخصوصية متفردة في كثير من التجارب ويقتضي التوسع في المرور جغرافيا وتاريخيا بفضاءاتها المغربية والعربية والإسلامية والعالمية وعلى المجمل فخارج تونس يبدأ العالم الذي هي جزء منه ولابد لتأصيل الإبداع ودعم أسئلته من التوجه إلى النهل من كل المعارف والعلوم والفنون والآداب العالمية قدر المستطاع بعد أن ضمنت لنا الجامعة تكوينا علميا يسمح لنا أن نتعامل مع هذه المعارف والفنون من موقع القوة والنقد لا من موقع الضعف والاستلاب..يقول الشاعر نصر سامي في كتابه "أنهار لأعالي الضوء" :
وحده النور يتقدم في اللحظات المليئة بالموت بقسوة 
***
لآ أشعر مطلقا بالنقص 
الآخران العظيمان ( السلف المتعدد والغرب المتعدد ) أجزاء من ذواتنا 
الذات ليست فردية أبدا إنها مجرة 
بهذا الإيقاع العالمي والتاريخي المفتوح تنطلق نواة الجيل الأول لتوجه أسئلة الإبداع ضامنة لنفسها كل شروط التجدد والشمولية مستفيدة من كل الوضعيات سلبيها وايجابييها فاتحة الأفق على الدفعات الجديدة والكبيرة التي ستشهد الجامعة تكوينها وتخريجها في المستقبل القريب لتكون مصادر مستقبلية لتنشيط هذه الأسئلة الإبداعية ومزيد تطويرها وتجذيرها وتعميقها والتي ستتبلور بعضا منها في حركة نص الذي سيواصل دون إحاطة نقدية كافية نفس خلفية المغامرة والتجريب والقطع مع تشكلات الجماليات القديمة .. 
3 رافد خصوصية الذات والتجربة 
يمثل هذا الرافد أصعب ما في هذا التوجه لان المحافظة على خصوصية الذات والتجربة هو مصدر تنوع قد يسبب التفكك كما حصل لحركة الطليعة ولكن مميزات هذا الرافد هو أنه رغم تعرضه لامتحان الطور الرابع الذي تمثل في التحام المبدع بالحياة اليومية وتأمين مصادر المعيشة وما أحدثه ذلك من تشتت أسفر هذا الامتحان الصعب عن نتيجتين إيجابيتين : الجانب الأول تمثل في دعم خصوصية الذات والتجربة وطبعها بطابع نشيط من طوابع الكدح والمعاناة وأراها من الحقائق والأسرار ما جعل كل فرد يستقلّ بنفسه وبفهم خاص للحياة لا يوجد عند الآخر مما شكل التفرّد المدهش لكنه كان سببا ايجابيا في خلق الجانب الثاني وهو الرغبة القوية في تقوية روابط أفراد التوجه وخلق وحدة نظرية جامعة ومتماسكة تسمح بالتقدم الأفضل لصياغة تجربة ما بعد السبعينات وقد استوجب ذلك الاتفاق على جملة من النقاط : *نبذ الجحود والنكران والاعتراف لكل ذي فضل بفضله والاستفادة من أخطاء السابقين وصوابهم 
• السياسي لن يكون مطلبا لنا بل الفن والجمال و طلب الحياة الأفضل وفي هذا إقرار بان مقتضيات العمل السياسي ومتاهته العملية في أي بقعة من بقاع الأرض مختلفة عن مقتضيات العمل الإبداعي وآفاقه الجمالية وهو أن الإبداع أكبر من السياسة وأسبق فهما منها لكل الامور فهو عمل كلّي مرتبط بالوجود الباطني والظاهري ويتطلع إلى ما ليس له حدود بينما السياسي يعمل على استغلال الموجود واستغلال الظاهر والقريب ..
• الابداع الحق هو الذي يخلق الطاقات المتجددة للمجتمع ويكشف عن المستور ويراجع الحقائق أما السياسي فلا يعنى بهذا كله ويكتفي بتحقيق النجاح والاستمرار وتأمين السلطان ..ولابد من العمل على خلق مرجعيات جديدة للسياسين والعلماء أي العمل على أن يكون الإبداع أسبق إلى اكتشاف الحقائق وفهمها ومعالجتها من جميع الخطابات الأخرى بما فيها الخطاب السياسي 
• الإبداع يرتاد كالنحلة كل الزهرات ويتغذى بكل رحيق بينما السياسي لايرتاد إلا ثماره هو ولا يعجبه إلا خطابه ولا تقنعه إلا تصوراته وأفكاره 
• الإبداع في شتى المجالات له الأهلية و الشرعية الكافية لنقاش كل القضايا ومعالجتها وفق شرط الحقيقة ولا ينتظر في ذلك أخذ إشارة التفكير والنقاش من أحد أما السياسة فشرعيتها مستمدة من الآخرين ومن رضاهم وهي في حالة نجاحها تستثمر نتائج تلك الأبحاث والمعالجات والإبداعات وتوظفها بمؤسساتها المختلفة التي لا قبل للإبداع بها 
• السؤال هو أهم من الإجابة في فتح أبواب الجديد وتحقيق الابداع الخلاق المستنير فلابد من ابتكاره ابتكارا أصيلا غير متكلف إذ أن قوة السؤال ودقته هي التي تحقق قوة الإجابة وأهميتها .. 
• فتح الأبواب للأجيال القادمة لإثراء توجه أسئلة الابداع بالتصور المخالف والتجارب الناضجة التي تحتكم إلى الجدّة وحرقة السؤال في كل عشرية لتحقيق تواصل التوجّه واستمراره وإعطاء الزمن فرصة تجديده وتنويعه وما لم يعط أكله من الأسئلة والتصورات في الجيل الأول والثاني يعطي أكله في الجيل اللاحق وهكذا دواليك 
• إثراء التوجه بالإبداعات في الحقول الفنية الأخرى والتركيز على العمل النقدي المستمر والاستفادة من المرحلة الإبداعية الفاصلة بين 1972 و1993 باعتبارها صنعت علامات إبداعية فردية هامة لكنها أخفقت في خلق حاضن فلسفي وجمالي يوجه أعمالها بسبب هيمنة الحاضن السياسي والمطالب الجماهيرية .. 
• التعامل بهدوء مع كل استفزاز ومحاولة الاستفادة منه على أساس أنه مهما بلغ من السلبية فان ايجابياتك تقلب السحر على الساحر وتحوله إلى مصدر تصنيع لطاقة الصمود والاستمرار لا إلى طاقة الإحباط والاندثار..
هذه حقيقة توجه أسئلة الابداع الذي ولد في أقسى مرحلة تاريخية كونية تؤمن بالعولمة والكلية وتهدد الشعوب في ذواتها كل يوم بالاندثار مما يحمّل المبدع مسؤولية إضافية أكبر في ابتكار صيغ إبداعية جديدة تدعم وجودنا وتحميه من الاندثار دون السقوط في فخ السياسي الفج والشعاراتي ولكن في شكل مراجعات كبرى وشاملة أصبحت أكيدة وحاسمة تقودها أسئلة الإبداع وتشمل الحضارة والفكر والتاريخ والإنسان وهو عمل ضخم ومشروع هام يستحق منا الحياة من اجله ويستحق منا استنفار كل مجهوداتنا وإرادتنا وحماسنا من أجل المساهمة جميعا في بلورته وانجازه انجازا تاريخيا جماعيا غير أناني ولا منقطع .. عمل يحتاج إلى مجهود جبّار من أجيال هذا التوجّه الذي لن أكون زعيما له أو منظّرا أو مؤسسا بل خادما ونرجو من أفراد هذه الأجيال فقط الاعتراف بأنني خادم لهم يخجله جهله و يدفعه لان يطلب من يهديه إلى التخفيف من حدة هذا الجهل علّه بذلك يخفف من حدة بعض الأسئلة ويدخل على القلب بعض الاطمئنان 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الكاتب : الأستاذ عبد القادر بنعثمان كاتب تونسي وباحث في التنظير النقدي ومؤسس لتوجهات اجيال توجه أسئلة الإبداع منذ التسعينات.
* هذا نص المداخلة التي قدمها الأديب التونسى الكبير الأستاذعبد القادر بنعثمان في الايام الشعرية العربية - جمعية قدماء كلية الآداب بمنوبة ، نادي التأصيل النقدي . 

الناشر :

الناشر مؤسسة الوطن العربى الإعلامية - لندن ، المملكة المتحدة . WA MEDIA FOUNDATION - LONDON, UK على 12:41:00 م. فى باب . يمكنك متابعة أخبارنا وموضوعاتنا والتعليق عليها من خلال الدخول إلى RSS 2.0. ، فأهلاً بك

للحصول على نسختك الورقية من هنا ، إضغط هنا لطباعة الصفحة

اترك الرد

تفضل بوضع تعليقك هنا وأهلا بك وتعليقك الملتزم المحترم

Translator of WA Daily Newspaper

للحصول على نسختك الورقية من هنا

الارشيف

مواقيت الصلاة بالعالم - إختر دولتك ومدينتك

الحمـلة العالميـة لمقاومـة التطبيـع مع العدو

حركة مقاطعة إسرائيل "بي دي اس" (حركة مقاطعة العدو الصهيوني)

تحويل العملات ، وأسعار الصرف

كاريكاتير

إنفوجرافيك

Blackview WW